الشيخ محمد السند
81
تفسير ملاحم المحكمات
اللَّه تعالى وفيّاضيّته وقدرته تستلزم كونه الغاية ، أيتستلزم المعاد إليه . وببيان آخر ، أنّ حاكميّته تعالى لها وجوه متعدّدة من سلطانه التكويني وقيوميّته ، ومن كونه مشرّعاً ، وعن كونه قاضياً تكويناً وتشريعاً ، وسائساً كذلك ، فثبوت هذه الصفات له تعالى بعينها تستلزم إطلاقها وعمومها ودوامها يستلزم الدين والهداية والحساب والمجازاة التكوينيّة بألوانها ودرجاتها بيده تعالى ، وكما يكون مفيض الكمال ومبدأ الفيوضات منه تكون غاية تكامل المخلوقات بالاقتراب من كماله بتوسّط تلك الفيوضات ، ومن ثمّ أشير في سورة التين إلى وجه التصديق وعدم التكذيب بيوم الدين إلى أنّه تعالى أحكم الحاكمين ، وكذلك في سورة الفاتحة ، حيث أنّه أضيف مالك إلى يوم الدين من إضافة الدليل إلى الدعوى ، وهي مالك إلى القول والمعتقد وهو يوم الدين ، فصفة مالك هي بنفسها برهان المعاد ، فمن يستبين ويتبيّن لديه إطلاق مالكيّة اللَّه وحاكميّته وسيطرته وقدرته على كلّ المخلوقات والعباد ، يستبين لديه أنّه رقيب عليهم ، ولا يفلت من قدرته وسيطرته أحدٌ منهم بأيّ عمل من أعماله ، ومآل ونتائج أعمالهم وأحوالهم وصفاتهم إليه تعالى ، لأنّه لا يخرج عن سيطرته وقت من الأوقات ولا عالم من العوالم ، ولا أجل من الآجال ولا قدر من الأقدار . وقد أشير إلى هذا البرهان في سُور وآيات عديدة بألفاظ مختلفة ، وانطلاقاً من صفات وأسماء متعدّدة منشعبة من وصف واسم القدرة للتدليل على المعاد ويوم الحساب ، وصيغة هذا البرهان لمّيّة كما هو واضح ، بخلاف جملة من صياغات البراهين الأخرى التي اعتمدها الفلاسفة ممّا مشار إليها في الآيات والسور بالأحاديث انطلاقاً من الأعمال أو سير النفوس بأطوار وتكاملها ، فإنّها أشبه بالبراهين الإنّيّة .